جميع المقالات والأبحاث
مقال

نابلس وضرورة كسر الحصار الذهني

نابلس وضرورة كسر الحصار الذهني

التقييم المتزن كأساس للتغيير

التغيير الحقيقي يبدأ من تقييم واقعي ومتزن. فقط التقييم الذي يرى نقاط القوة بنفس الوضوح الذي يرى فيه نقاط الضعف، ويرى الفرص بحدة رؤيته للتحديات، يمكن الاعتماد عليه بثقة لاتخاذ قرارات عقلانية تقودنا للأعلى. كلما كان التقييم متوازناً كان أقرب للحقيقة، وأكثر كفاءة للوصول لتغيير جوهري ملموس.

التقييم الأحادي سواءاً كان متطرف بسلبيته أو أعمى بايجابيته، يشوه الواقع و يؤدي لاستنتاجات معيوبة. عند الحكم على نابلس فقط من خلال صعوباتها وأزماتها متجاهلين إمكانياتها الهائلة، نقع في فخ التصور المشوه للواقع، تماماً مثل ما نفرض حكماً على رجل شاحب تعبان أنه هامل لصحته بدون أن نعرف أنه مقاتل بمعركة طويلة ضد مرض ما.

“المدينة القوية ليست المدينة التي لا تقع أبداً، ولكنها المدينة التي يمكن أن تقع وتتعافى بشكل أقوى.”

جودث رودن

هل نابلس مدينة فعلاً ضعيفة ومتراجعة؟

نظرة كسولة وسطحية على نابلس ستقودنا لأن المدينة بتراجع، ذات حاضر كئيب وينتظرها مستقبل شديد الظلمة. ولكن نظرة من هذا النوع هي جزء من المشكلة! لأنها تتجاهل كل الأحداث والسياقات التاريخية التي شكلت الحاضر النابلسي.

لفهم الواقع النابلسي، يجب فحص الضغوط الجسيمة والتحديات الهائلة الذي اضطرت أن تتعامل معها المدينة وأفرادها بالعقود الأخيرة ومقارنته مع مدن أخرى واجهت نفس التحديات. ما سندركه أنه وعلى الرغم من كل شيء، نابلس الشامخة المشرّفة مليئة بالحياة والإمكانيات والثروات البشرية، والقدرة الذهنية على النمو والبناء، مكانياً واقتصادياً واجتماعياً. نابلس على بعد إدراك واحد من إنتاج قوة هائلة لبناء مستقبل عظيم؛ حجم إمكانياتها.

نابلس تحت الضغط: السياق الذي لا يمكن تجاهله

قدوم السلطة وخيبة الأمل

من جهة، خيبة الأمل الكبيرة بسبب توقع المدينة ونخبها بلعب دور محوري وعميق في بناء الدولة المدنية الوليدة. حينها، كان النابلسي الأكثر خبرة وكفاءة لإدارة الدولة مدنياً من بين كل الخيارات المتاحة، وعدم الاستعانة به خلق حاجز نفسي بين السلطة وبين جيل نابلسي كامل دفع البعض إلى الإنسحاب من الحياة العامة. النابلسي كان أبكر من غيره من الفلسطينيين باستبصار أن الدولة إدارياً لن تكون بخير، فخيبة أمل عميقة بخصوص القضية.
من جهة ثانية، التغيرات المكانية التي شهدتها النخب الاجتماعية، والمهنية، والرأسمالية في نابلس، نتيجة اختلاف موازين القوى والنفوذ داخل المجتمع الفلسطيني بعد قدوم السلطة، سواء أكانت هذه التحولات اضطرارية أم اختيارية.

الانتفاضة الثانية

يمكن القول أن نابلس دخلت واحدة من أقسى الفترات الزمنية بتاريخها مع انفجار الانتفاضة الثانية.

  • الاجتياح العسكري للمدينة عام 2002 هو الأكثر تدميراً بين كل المدن وعبر تاريخ المدينة.
    إعادة إعمار مدينة نابلس وحدها مثل أكثر من ثلث مجموع تكاليف إعادة إعمار جميع المدن الفلسطينية التي تضررت في عملية الدرع الواقي.
  • حظر تجول تام وكامل للمدينة الذي في بعض الأحيان وصل ل 100 يوم متصلين.
  • خنق المدينة بشكل كامل وفصلها عن القرى المحيطة وباقي مدن الضفة من خلال 18 حاجز عسكري للمحتل.
  • “الشتاء الساخن”، “المياه الراكدة”، “الضغط الخانق” هي أسماء بعض العمليات العسكرية الأخرى على نابلس

انهيار اقتصادي، فلتان أمني، انقسام سياسي

البطالة وصلت ل 60% بالإضافة لهجرة “أُخرى” لرؤوس الأموال والنخب الاجتماعية والمهنية لرام الله، عمّان أو دبي. لكن الأضرار لم تكن اقتصادية فقط. كعواقب أخرى للاجتياحات، المدينة عانت سنوات من فلتان أمني هو الأحَد عبر تاريخ المدينة. أضف عليها أحداث عالمستوى الفلسطيني، خصوصاً الانقسام الحزبي الفلسطيني، الحروب على غزة، نقصان السيولة النقدية عند الحكومة.

الأزمات المتتالية حتى اليوم

  • بعد محاولات التعافي، جاءت جائحة كورونا وزادت الضغط على الاقتصاد المحلي.
  • بعدها بفترة قصيرة، اندلع اضطراب عسكري جديد في الضفة الغربية وجعل نابلس مركز الأحداث من جديد.
  • وأخيراً، حرب السابع من أكتوبر، وما تبعها من منع لعمال الداخل بالعمل، والاغلاقات، وانعدام السياحة على نابلس.

القوة الخفية لنابلس

نابلس ليست ضعيفة أو هامشية، نابلس مدينة الإمكانيات البشرية الهائلة، الثقافة الفريدة والأصيلة، الفكر المتزن والمجتمع المعتدِل، الثروات السياحية الأثرية والطبيعية، الوجهة العلمية، النضج المجتمعي والخبرة المؤسساتية المتنوعة سواءا حزبية أو حكومية أو اقتصادية أو غير ربحية، العلاقات الناضجة المستقرة الطيبة مع المدن الفلسطينية ومدن عربية عريقة، المرونة الذهنية والقدرة الهائلة على التأقلم والمثابرة. لما يتحد النابلسيين ويوجهوا طاقاتهم باتجاه أهداف مشتركة رح يقدروا يقودوا نابلس مكانياً واقتصادياً واجتماعياً لأماكن أبعد من توقعاتهم.

ولكن من أجل حدوث هذا التحول، يجب أن نبدأ بتغيير كيف نرى أنفسنا. التكرار المستمر للسلبية عن المدينة وناسها يعزز شعور الضعف واليأس ويهمش أي احترام للمجهودات اليومية للأفراد والمؤسسات باختلاف أنواعها للمحافظة عليها والصمود من جهة، والنمو والتطور من جهة أخرى.

ما العمل؟

التوقف فوراً عن مقارنة نابلس بنسخ غابرة منها أو لمدن أخرى تمتلك ظروف مختلفة كلياً، والبدء بفهم واقعنا كما هو عليه والانطلاق من هناك.

  1. تعميق الفهم: القول أن الوضع سيء غير كافي، يجب أن نسأل لماذا وكيف ومتى وما الأدوات والموارد التي نمتلكها لتغيير المسار.
  2. تمييز وتقدير الاستمرارية بالجهود اليومية البسيطة: كل شخص، ومؤسسة، وعائلة في نابلس تبذل جهد جبار بشكل يومي للعيش والتقدم عالرغم من كل الصعوبات الغير متناهية. هذا يجب أن يتم تمييزه وتقديره!
  3. التركيز عالحلول: بدلاً من الوقوف مطولاً عند الأزمة، يجب السعي لحلول ومبادرات مبتكرة واقعية تقود تغيير ذات معنى، بغض النظر عن صغرها.
  4. تبني نظرة مختلفة عن أنفسنا: نظرة تقدر وتحترم الجهود بدلاً من جلد الذات المستمر، نظرة تميز السلوكيات الجيدة بنفس كما السلوكيات الخبيثة، نظرة تحمل احترام أكبر لأنفسنا، ولجيلنا ولمدينتنا ومؤسساتها وللتحديات اللي كل نابلسي اليوم موجود عاشها وبعيشها.

يكمن سحر المدن في قدرتها على إعادة ابتكار نفسها. إدوارد جليسر

الخلاصة

الحال النابلسي اليوم ليس مثالياً، ولا يوجد نابلسي أو محب لها راضي عما هي عليه مكانياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً، ولكنها بعيدة جداً عن أن تكون حالة ميؤوس منها. تقييم صادق ومتزن وواقعي هو نقطة الانطلاق. التكرار الغير متناهي عن مساوئ نابلس فقط لا يخدم أحد، ولكنه جلد ذات غير مبرر يعيق التقدم.
نابلسي، على الرغم من كل الظروف، نمتلك قوة وإمكانيات اكتر مما نعتقد. الخطوة الأولى للتحول الحقيقي هو التمييز والاعتراف بهذه القوة وتوجيهها باتجاه رؤية مشتركة.

شارك: